شرف خان البدليسي

98

شرفنامه

فأرسل إلى نور الدين محمود رسولا يلتمس منه الترخيص لوالده بالحضور إلى مصر ، وأجاب نور الدين طلبه إجابة عزيزة . وعلى ذلك تحرك نجم الدين أيوب متجها نحو مصر فوصلها في الرابع والعشرين من رجب سنة ( 565 ه - 1169 م ) وقابله الخليفة العاضد بنفسه بظاهر مصر بالحفاوة والإكرام ، وعاد البصر إلى عيني نجم الدين الذي كان من حزنه لفراق ولده قد ابيضت عيناه من الحزن ، وذلك على أثر رؤيته صلاح الدين الذي بالغ في الحفاوة بوالده وإكرام وفادته ؛ حتى إنه عرض عليه ان يتخلى عن منصب الوزارة ليتولاه هو ، غير أن الوالد العظيم لم يقبل ذلك ودعا لابنه بالتوفيق شاكرا . وأخذ صلاح الدين يصرف شؤون الدولة بكل جدارة واستحقاق ، إلى أن اشتد المرض بالخليفة العاضد في أوائل المحرم سنة ( 567 ه - 1171 م ) ، حتى توفي إلى رحمة اللّه يوم العاشوراء من محرم تلك السنة ، فاستولى صلاح الدين على جميع خزائن الإسماعيلية التي كانت تعج بنفائس الدرر ، وغوالي الجواهر ، ووافر النقود والحلي من الذهب والفضة . وقد استقل في تسيير دفة الأمور استقلالا كاملا ، فأرضى العسكريين والمدنيين جميعا بحسن إدارته وبعد نظره ، وقد ذكر صاحب تاريخ اليافعي « 1 » ، أن من جملة النفائس التي استولى عليها صلاح الدين من خزائن العاضد ، عصا من الزمرد . وأما نفائس الكتب الجيدة الخط ، فقد كان عدد مجلداتها يبلغ مائة ألف . هذا وقد توترت العلاقات بادئ الأمر بين صلاح الدين ، وبين نور الدين محمود من جراء استقلاله بمصر ، وذلك لبعض الوشايات ، فأراد نور الدين أن يحضر بنفسه إلى مصر وأن ينصب عليها رجلا آخر من رجاله ، ولما خبر هذه النية إلى مسامع صلاح الدين جمع مجلس استشارة مؤلف من والده وخاله وإخوته وسائر أقربائه ؛ لاتخاذ التدابير نحو الدفاع عن مصر ، وحينما التئم المجلس نهض تقي الدين « 2 » بن أخي صلاح الدين وخطب قائلا : إن مصلحة الدولة تقتضي أن نقاوم نور الدين محمود فيما إذا توجه إلى هذه الناحية بجيوش لا قبل له بها ، لكي لا ندع له مجالا في التدخل في شؤون هذه المملكة . فضاق نجم الدين أيوب ذرعا من كلام حفيده هذا ، فشتمه ووجه إليه قارص الكلم وأنكر عليه هذا الرأي ، ثم وجه كلامه إلى صلاح الدين قائلا : " إني والدك وهذا خالك شهاب الدين ، ومع كوننا أكثر حبا لك وأشد عطفا عليك من هؤلاء

--> ( 1 ) - أنظر مرآة الجنان للإمام اليافعي . ( المترجم ) ( 2 ) - هو الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ، وله أخ يدعى فرخشاه . ( المترجم )